نخبة الأمة بين غياب التكريم وألم التأبين/الولي ولد سيدي هيبه

"الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ" صدق الله العظيم

 

ولأن الموت ابتلاء من الله لإظهار المكنون في علم الله من سلوك البشر على الأرض واستحقاقهم للجزاء على العمل، فإن الحياة هي كذلك هبة كبيرة ومنة عظيمة من الله لعبادته بإخلاص العارف والمدرك عظمته من خلال تجليات الكون وما وهبه الله من عقل التمعن والدبير في آيات خلقه وما يلي ذلك من أعمال صالحة للدنيا وللفوز بعد ابتلاء الموت.

بالأمس القريب نظم في سابقة محمودة حفل تكريم وتقدير لشخصية وطنية كان لها الأثر البالغ في قيام الدولة الموريتانية التي تأسست فقط منذ ستة وستين عاما واكتنف ذلك التأسيس خلو من أية أسس ماضية توحي بمعرفة أهل البلد سلطة مركزية شاملة. وكان هذا التكريم والتذكير بالأعمال الصالحة لفائدة الوطن بادرة غير معهودة وجدت في النفوس الحائرة صدى إيجابيا واستحسانا عظيما قضيا على لسان الحضور الكبير من المثقفين يومها على اختلاف مشاربهم وأعمارهم أن تكون سنة تتبع ليسمع الأحياء وقع أعمالهم ومجهوداتهم القيمة في سبيل الأمة والوطن على النفوس ويستقبلوا صدى الجميل ورجع تقدير العطاء من مواطنيهم وإخوانهم وهم أحياء يرزقون.

ولإن فات أصدقاء أحمد بابا ولد أحمد مسكه تكريم الرجل وهو بين ظهرانهم لا يفتأ يعطي إلى آخر لحظات عمره الحافل بالعطاء الفكري والنضال السياسي والتأليف، فإن تأبينه الذي يتنزل في ذات سياق ذكر مكانة الأموات وعطائهم في الحياة بعدما لم يسمعوا ويحسوا بتقديره وهم أحياء اعترافا لهم وإكراما وعلوا لشأنهم، شاءت الصدفة العميدة أن يقدر فيه الكثيرون ممن لا يعرفونه عن كثب و الذين كانت لديهم بعض المعلومات الناقصة عنه، أن يضطلعوا من خلال معرض لبعض عطائه الفكري ومساره السياسي والعلمي، وكذلك من خلال شهادات عديدة من بعض رفقاء دربه وأخلائه والمعجبين بسيرته وعطائه.

فمتى تصحوا أذهان النخب إن أرادت وتؤسس مثل كل العالمين لترسيخ ثنائية التكريم والتأبين حتى لا يضيع ذكر المحسنين منها على العلم بحثا وإثراء وعطاء مؤسسا وعلى البلد في ترسيخ مكانته بين البلدان وأمته بين الأمم، وحتى تترسخ فكرة حب الخلود المحمود في الذهنية الشعبية وذاكرة الأمة، ليزداد الانشغال بالمعرفة والعلم والعطاء الميداني.

ولقد درج عديد الأمم التي تقدر أهل العطاء من شعوبها على أن تبرز لهم في سجل تاريخها ماضيا وحاضرا مكانا مشرقا بأسمائهم وحيزا مترعا بعطائهم حتى لا يسرقهم النسيان وتلغيهم في غياهب الإهمال والتفريط ذاكرة الشعوب القصيرة، يكرمونهم أحياء باستدعائهم لحضور كل التظاهرات الوطنية الكبرى وتكليفهم بالإشراف على جوانب منها والاستشارة والرعاية لكل الأمور التي لها صلة بمجالات عطائهم. وأما الأموات فتحرص على ألا تندثر معالم قبورهم حتى تظل ذكراهم بها شاهدا حيا على حياتهم الأولى الحافلة بالعطاء وحب الوطن والمساهمة في تميزه ورفعته بما كانوا أشخاصا عميقي الأثر وبالغي التأثير.

وهي الأمم التي درج بعضها أيضا إلى تخصيص مقابر يدفن فيها وحدهم عظماء الأمة الذين قدموا التضحيات ورفعوا مكانتها بعالم السديد والمنجزات والآثار الخالدة، مثل فرنسا التي خصصت حيزا من الأرض لدفن عظمائها ويدعى مقبرة العظماء أو البانثيون (Panthéon) وهو مبنى بالحي اللاتيني في باريس يضم رفات بعض عظماء الفرنسيين ويطل على كافة أرجاء العاصمة باريس.

وهي الأمم حريصة كل الحرص أيضا على تكريم عظمائها من كل الأطياف أحياء وأن تشعرهم بحفظ الجميل وطلب المزيد من عطائهم وللتحفيز على اعتبارهم قدوة واتباع خطاهم في التحصيل والجد والتجرد والولاء للوطن والحرص على رفعته وتميزه، فتسمت بهم مدرجات في المؤسسات التعليمية والبحثية وشوارع يمرون فوقها وساحات يجتمعون فيها مع مواطنيهم ومحبيهم والباحثين معهم، وهم يدركون في نفوسهم بأنهم إن قضوا لن ينسوا.

وأما في هذه البلاد التي ماتزال وطأة السيبة وبعض عقلية الجاهلية وسطوة أمراض القلوب تلوث أجواء فضاء المعرفة فيها، فإن من حباهم الله بالنباهة وأرشدهم إلى ملء شق من حياتهم بالعلم والانشغال بالعمل به، في خشية من أمر ذلك يهابون الظهور لسلاطة الألسن ورفض التقبل من الآخر وقطع السبل على بروز كنوزهم وعطائهم الغزيرة ومنع تكريمهم أحياء. وفي الأخير وبعد موتهم يأتي التأبين الذي وهو منة حديدة من العصر وإن لم تكن حتى محببة لذكر بعض مناقب الميت بعدما لم يعد موجودا للبزوغ والإزعاج. فكيف بهذا الوجه السقيم لأمة ولبلد أن يحسنا الاستفادة من فيض أصحاب عقولها النيرة بعطائهم المتميز الذي يرفع ويقدم وأن يعتليا صهوة مطايا الرفعة والسؤدد وهما في حل من الاعتراف بألمعيهم ويحجما عن تكريمهم أحياء وتأبينهم بما يليق بعد موتهم وكأنهم أحياء بينهم؟