
يشكل صدور القانون رقم 019/2025 المتعلق بالتقييم البيئي والاجتماعي، الصادر بتاريخ 2 يونيو 2025، محطة مفصلية في مسار تحديث المنظومة التشريعية البيئية في موريتانيا، باعتباره يؤسس لانتقال نوعي من مقاربة التدخل اللاحق إلى مقاربة الوقاية والاستباق في تدبير الأثر التنموي على البيئة والمجتمع.
ففي سياق تتسارع فيه وتيرة المشاريع المرتبطة بالبنية التحتية والطاقة واستغلال الموارد الطبيعية، جاء هذا القانون ليعيد صياغة العلاقة بين التنمية والبيئة على أساس التوازن والمسؤولية، من خلال إلزامية إدماج البعد البيئي والاجتماعي في مراحل التخطيط المبكر.
ويبرز هذا التوجه بوضوح في المادة 4 التي أرست مبدأ التدرج والتناسب في أدوات التقييم البيئي والاجتماعي، حيث لم يعد التقييم إجراءً موحداً، بل منظومة متكاملة تبدأ من التدابير البسيطة لحماية الوسط، مروراً بنشرات ودراسات التأثير والتدقيق البيئي، وصولاً إلى التقييم البيئي والاجتماعي الاستراتيجي الذي يمتد إلى السياسات والخطط والبرامج العمومية، بما يعكس انتقالاً عميقاً نحو حكامة وقائية شاملة.
وفي هذا الإطار، لا يقتصر القانون على حماية البيئة بوصفها مجالاً طبيعياً فقط، بل يتجاوز ذلك إلى حماية الإنسان والمجتمع، من خلال تكريس مشاركة المواطنين في صنع القرار البيئي. وقد عرّفت المادة 2 آلية جلسات الاستماع العمومية باعتبارها إطاراً مؤسساً للاستشارة المنظمة، يضمن إشراك المعنيين وتلقي ملاحظاتهم قبل اتخاذ القرار.
وإذا كان هذا البعد التشاركي يمثل ركيزة أساسية للحكامة البيئية، فإن القانون ذهب أبعد من ذلك حين ربط بين التقييم البيئي وحماية الحقوق الاجتماعية، خصوصاً في حالات التأثيرات الكبرى للمشاريع. فقد ألزمت المادة 8 بإعداد خطط لإعادة التوطين والتعويض في حال التسبب في نزوح قسري، سواء كان مادياً أو اقتصادياً، دائماً أو مؤقتاً، مما يعكس إدماجاً واضحاً للعدالة الاجتماعية داخل المنظومة البيئية.
ومن جهة أخرى، فإن فعالية التقييم لا تتحقق فقط بوجود نصوص قانونية، بل بقدرة الإدارة على ضمان استمرارية ومصداقية الدراسات البيئية. وفي هذا السياق، نصت المادة 13 على إلزامية تحديث دراسة أو نشرة التأثير البيئي إذا لم تنطلق أشغال المشروع خلال أجل ثلاث سنوات من تاريخ الترخيص، وهو إجراء مهم يمنع تحوّل الدراسات إلى وثائق جامدة تفقد قيمتها العلمية والزمنية.
غير أن جوهر الإصلاح القانوني يظل مرتبطاً بمدى صرامة التطبيق. لذلك أفرد المشرّع منظومة ردعية واضحة، من خلال المادة 32 التي تخول للإدارة وقف الأشغال وفرض غرامات يومية، وصولاً إلى عقوبات مالية قد تصل إلى خمسين مليون أوقية وفق المادة 39 في حالة الإخلال الجسيم بالالتزامات البيئية والاجتماعية.
كما لم يقتصر الردع على المستثمرين فقط، بل امتد إلى مكاتب الدراسات البيئية نفسها، حيث نصت المادة 42 على إمكانية سحب الاعتماد وفرض عقوبات مالية في حال تقديم بيانات غير دقيقة أو مضللة، وهو ما يعزز مصداقية منظومة التقييم ويحد من الطابع الشكلي للدراسات.
وفي بعد مؤسسي مهم، أقر القانون آلية تمويل مستدامة للرقابة البيئية، حيث نصت المادة 43 على توجيه المداخيل الناتجة عن الغرامات إلى صندوق التدخل من أجل البيئة، بما يضمن تمويل عمليات التفتيش والمتابعة وتعزيز قدرات الإدارة البيئية.
إن هذه المنظومة المتكاملة تعكس تحولاً نوعياً في فلسفة التشريع البيئي في موريتانيا، من مجرد نصوص تنظيمية إلى منظومة حكامة قائمة على الوقاية والمشاركة والردع والتخطيط الاستراتيجي.
وعليه، فإن قانون التقييم البيئي والاجتماعي لا يمثل فقط إضافة تقنية إلى الترسانة القانونية، بل يشكل خياراً استراتيجياً نحو إعادة تعريف علاقة التنمية بالبيئة، على أساس أن النمو الاقتصادي لا يمكن أن يكون مستداماً إلا إذا كان عادلاً ومسؤولاً ومتوازناً مع حق الأجيال في بيئة سليمة.
سيد المختار كواد
باحث في مجالات العقار والتعمير والبيئة
#مقالات
#زهرة_شنقيط
#تابعونا
.jpg)









