#إن القول بأن الشعب مصدر كل السلطات لا يقتصر على كونه مبدأً سياسياً أو شعاراً عاماً؛ بل يؤسس، في الفقه الدستوري، لفكرة السلطة التأسيسية الأصلية؛ أي سلطة الشعب في وضع الدستور الذي تنشأ عنه مؤسسات الدولة، وتستمد منه السلطات المنشأة اختصاصاتها وشرعيتها.
#وقد قررت المادة الثانية من الدستور الموريتاني أن الشعب مصدر كل سلطة، وأن السيادة الوطنية ملك له، يمارسها بواسطة ممثليه المنتخبين وعن طريق الاستفتاء؛ كما نصت المادة الرابعة على أن القانون هو التعبير الأسمى عن إرادة الشعب؛ غير أن الدستور يحدد في الوقت نفسه كيف تُمارَس هذه السيادة ضمن النظام الدستوري القائم.
ومن هذا التمييز تنطلق الحجة الدستورية المؤيدة لسلطة الشعب في إعادة النظر في جميع مواد الدستور، بما فيها المواد المحصّنة؛فالمواد التي تحظر تعديل أحكام معينة تقيد سلطة المراجعة الدستورية المنشأة، أي السلطات والإجراءات التي أنشأها الدستور لمراجعته.
أما السلطة التأسيسية الأصلية، وفق هذا التصور، فلا تستمد وجودها من تلك الإجراءات؛ لأنها سابقة عليها، وهي التي أنشأت الدستور والسلطات التي تعمل في ظله؛ ومن ثم، لا تكون إرادة الشعب التأسيسية مقيدة، من حيث المبدأ النظري، بالحدود التي وضعتها سلطة دستورية مشتقة من إرادته.
وعلى هذا الأساس، يمكن القول إن التحصين الدستوري يمنع تعديل المادة المحصّنة وفق مسطرة المراجعة العادية، لكنه لا يحوّلها إلى نص أبدي يعلو على الشعب صاحب السيادة الأصلية؛ فالشعب، إذا عبّر عن إرادته تعبيراً حراً وجامعاً، وفي إطار مسار تأسيسي واضح يحظى بشرعية عامة، يملك من حيث النظرية الدستورية أن يضع دستوراً جديداً أو يعيد تأسيس النظام الدستوري، بما يشمل الأحكام التي كانت محصّنة في الدستور السابق.
وهذا يعني أن الدستور، على علو مكانته، ليس كياناً منفصلاً عن الأمة ولا مصدراً مستقلاً لوجودها؛ بل هو وثيقة تنظّم سلطاتها وتضبط ممارستها؛ فالشعب هو الذي ينشئ المؤسسات، ويمنحها الاختصاص، ويحدد شكل الحكم، ويملك ــ بوصفه صاحب السلطة التأسيسية الأصلية ــ إعادة النظر في الأسس التي اختارها لنظامه الدستوري؛ وبهذا المعنى، فإن الشعب مصدر السلطات القائمة، ومصدر الشرعية التي تنشأ عنها، وصاحب الحق في إعادة تأسيسها متى اختار ذلك بإرادة عامة وحرة.
إن الاستفتاء الشعبي قد يكون أداة للتعبير عن الإرادة التأسيسية، لا مجرد إجراء ضمن إجراءات المراجعة العادية؛ فالمادة 38 تجيز عرض المسائل ذات الأهمية الوطنية على الشعب، بينما تقرر المادتان 99 و100 مسطرة مراجعة الدستور وحدودها، وتنص المادة 99 صراحة على عدم جواز الشروع في مراجعة تمس مبدأ التداول الديمقراطي وقاعدة المأمورية الواحدة القابلة للتجديد مرة واحدة.
لذلك، فإن الحجة المؤيدة لسلطة الشعب على المواد المحصّنة لا تقوم على أن المادة 99 تسمح بتعديلها عبر المسطرة العادية؛ بل على التمييز بين مراجعة الدستور وفق أحكامه وإعادة تأسيس الدستور بإرادة الشعب صاحب السلطة الأصلية؛ وهي حجة فقهية وسياسية معتبرة في النقاش الدستوري...
إن الشعب، في هذا التصور، ليس مجرد متلقٍّ لأحكام الدستور، بل هو صاحب السلطة التي أنشأته؛ وهو مصدر كل سلطة دستورية ومؤسسة عامة؛ وما تقرره النصوص من قيود إنما ينظم ممارسة السلطات القائمة، ولا ينفي ــ في النظرية التأسيسية ــ حق الأمة في إعادة بناء نظامها الدستوري بإرادتها العامة.
وهكذا وباعتقادي وبناء على ماتم التأسيس عليه ؛ يجوز، وفق نظرية السلطة التأسيسية الأصلية، الدفاع عن حق الشعب في إعادة تأسيس دستوره وتغيير أحكامه المحصّنة، وإن كان ذلك يختلف قانونياً عن مراجعة الدستور بالطرق العادية. ..
ختاماً، أؤكد أن هذه المقاربة ليست سوى قراءةً دستورية واجتهاداً فكرياً يعكسان وجهة نظر شخصية في مسألة لا تزال محل نقاش بين بعض النخب القانونية وفقهاء القانون الدستوري…
#زهرة_شنقيط
#تابعونا
.jpg)










