
تابعت باهتمام ما كتبه معالي الوزير السابق للاقتصاد والمالية، السيد سيد أحمد ولد أبوه، تعقيباً على تدوينات معالي الوزير الأول المختار ولد أجاي. ومن الطبيعي أن يثري اختلاف وجهات النظر النقاش العمومي، بل إن ذلك مطلوب وضروري، غير أن هذا الاختلاف ينبغي أن يبقى في دائرة تحليل السياسات والخيارات الاقتصادية، لا أن يتحول إلى تلميحات تمس النزاهة أو تحمل المسؤولية الأخلاقية عن "الفساد وغياب الرؤية"، دون تقديم وقائع أو ملفات أو أدلة تدعم مثل هذه الأحكام الخطيرة.
لقد اختار الوزير الأول أن يخاطب الرأي العام مباشرة وأن يشرح خلفيات الخيارات الاقتصادية للحكومة، وهو سلوك يعكس قناعة بأهمية النقاش والشفافية، وكان الأولى أن يكون الرد على أفكاره بأفكار مضادة وحجج علمية، لا بالانتقال من نقد السياسات إلى الإيحاء بوجود فساد أو تستر عليه.
ومن اللافت أن صاحب التدوينة اعتبر أن أسباب ضعف القدرات التخزينية للمحروقات تعود إلى "الفساد وغياب الرؤية وعدم الاكتراث بمستقبل الشعب". غير أن الرأي العام من حقه أن يتساءل: من كان يتولى حقيبة الاقتصاد والمالية في نفس فترة تولي الوزير الأول لمنصبه الحالي؟ ومن كان جزءاً من صناعة القرار الاقتصادي خلال الفترة التي يتحدث عنها؟ فإذا كانت تلك الاختلالات موجودة بالفعل، فإن المسؤولية عنها جماعية ولا يمكن التنصل منها بمجرد مغادرة المنصب.
أما بخصوص وصف بعض المشاريع التي أطلقتها الدولة بأنها مجرد "مشاريع تجميلية"، فإن هذا التوصيف يثير الاستغراب، ليس فقط لأن البنية التحتية والتهيئة الحضرية وتحسين ظروف العيش ليست ترفاً، بل لأن معالي الوزير السابق نفسه سبق له، عندما كان وزيراً للاقتصاد والمالية، أن دافع عن هذا النوع من المشاريع واعتبره جزءاً من التنمية الاقتصادية الشاملة. ويكفي الرجوع إلى هذه النقاط الصحفية المصورة المتداولة على الروابط التالية:
https://youtu.be/I7FdWgmF2jQ
للوقوف على تأكيده آنذاك أن تحسين المدن والبنى التحتية وتهيئة المجال العمراني ليست كماليات، وإنما استثمارات ضرورية لجاذبية الاقتصاد وتحسين ظروف المواطنين.
ومن ثم، فإن السؤال المشروع ليس: هل هذه المشاريع ضرورية أم لا؟ بل لماذا أصبحت اليوم "مشاريع تجميلية" بعدما كانت بالأمس جزءاً من الرؤية التنموية التي كان يدافع عنها صاحب النقد نفسه؟
إن الاقتصادات الحديثة لا تقوم على المفاضلة بين حماية القدرة الشرائية والاستثمار العمومي، بل تسعى إلى التوفيق بين الأمرين. فالدولة مطالبة بمواجهة آثار التضخم ودعم الفئات الهشة، لكنها مطالبة أيضاً بمواصلة المشاريع الهيكلية التي تخلق فرص العمل وتدعم النمو وتؤسس لتنمية مستدامة. ولذلك فإن تصوير الأمر وكأنه اختيار بين "الخبز" و"التنمية" هو تبسيط مخل لا يناسب صاحب المعالي ولا يعكس حقيقة السياسات الاقتصادية المعاصرة.
كما أن السخرية من مفهوم "السيادة المالية" بدعوى أنه لا وجود له في الأدبيات الاقتصادية تتجاهل حقيقة أن المقصود ليس الانغلاق أو الاستغناء عن العالم، وإنما توسيع هامش القرار الوطني، وتعزيز التمويل الذاتي، وتقليص الارتهان للخارج، وهي أهداف تسعى إليها جميع الدول، بغض النظر عن درجة اندماجها في الاقتصاد العالمي.
إن الاختلاف مع مع معالي الوزير الأول المختار ولد أجاي حق مشروع، بل إنه أمر صحي، لكن الإنصاف يقتضي أن يكون النقاش حول الخيارات والسياسات والأرقام، لا حول النيات والاتهامات الضمنية. كما يقتضي ثباتاً في المواقف، حتى لا يتحول ما كان بالأمس إنجازاً وطنياً ورؤية تنموية متكاملة إلى مجرد "مساحيق تجميل" لأن القائم عليه اليوم شخص آخر.
وفي النهاية، فإن المسؤول الذي يشرح خياراته ويفتح باب النقاش بشأنها لا يستحق أن يُتهم أو يُلمح إلى مسؤوليته عن الفساد، بل يستحق أن تُناقش أفكاره بالحجة والبرهان، وأن يُرد عليه بالبدائل والأرقام، لأن بناء الأوطان لا يكون بالمزايدات، وإنما بالحوار المسؤول والنقد الموضوعي.
(*) ناشط سياسي
.jpg)









