دور القضاء في ترسيخ ثقافة محاربة الفساد / د. محمد أنس ولد محمدفال

تتجلى أهمية القضاء البالغة في كونه الحصن القانوني المستقل الذي يلجأ إليه المجتمع لحماية الحقوق وصون الحريات، ورد الاعتبار وتكريس ثقافة الفصل في النزاعات؛ سواء كانت تلك النزاعات فردية ذات نزعة خصومية بين أفراد المجتمع ، أو مؤسسية بين أشخاص اعترف لهم القانون بالشخصية المعنوية واتسمت تصرفاتهم بتمايز في الحقوق أو الواجبات، فيلجؤون للقضاء من أجل تسوية تلك المسائل، متحلين بثقافة مدنية يتحاكم أصحابها طائعين لسلك من الأطر متميزين في طريقة الاختيار وفي حقل التكوين المعرفي وفي طبيعة الوظيفة وهرمية الإشراف، فالقضاء بتبسيط مباشر نوعين قضاء أنيطت به مهمة التصدي لأي تهديد أو جريمة تمس المجتمع في كيانه أو ثروته أو قيمه أو دينه وهو ما يعرف في الأدبيات القانونية بالقضاء الواقف أو هو الادعاء العام أو النيابة أو قضاء الاتهام كلها تسميات تدل على هذا النوع من القضاء الذي يعبر عن يقظة المبادرة لدى الدولة في مواجهة الجناة مهما كانوا وذلك باسم المجتمع حتى لا يفلت أي من العقاب.

أما النوع الثاني من القضاء فهو قضاء الحكم الذي ينظر في المسألة لما تصل إليه فيسبر أغوارها وينظر في أدلتها ويستمع لأطرافها حيث يصبح المجتمع كله طرفا تمثله النيابة والمتهم طرفا يمثل نفسه أو يمثله دفاعه ويمكن أن ينضم لهما طرف ثالث متضرر كشخص عادي يطلب حقوقه هو الآخر، وهنا تتجلى اللوحة القضائية المنصفة في الخصومة والتداعي لها، كل يعرض ما عنده فتنشأ لدى الجمهور قبل غيره ، ثقافة راجعة تُرسخ القيم والأحكام والآليات المحلية والدولية التي أجمعت المجتمعات المدنية على نجاعتها في محاربة الجريمة بشكل عام، ومحاربة الفساد بشكل خاص وتعاهدت على تطبيقها وفق اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد.

ويشكل الفساد إحدى الظواهر الاجتماعية والاقتصادية والقانونية المعقدة ومحاربته تستدعي تبعا لذلك آليات خاصة اختار لها المشرع الوطني وحتى الدولي أحكاما متميزة وآليات لا يفهمها كثير من الناس، تُعبر في المحصلة عن دور القضاء في ترسيخ ثقافة محاربة الفساد وتجعل من تطبيقاته وتحقيقه وحكمه في المسائل المعروضة عليه ثقافة قانونية واجتهادا فقيا ثريا يسهم بلا شك في ترسيخ ثقافة محاربة الفساد ، ومشاركة منا في ترسيخ هذه الثقافة وإنارة المهتم القانوني نستعرض هذا الدور في محورين هما يقدم الأول منهما قراءة في الوسائل القانونية والفنية لتكريس ثقافة التصريح والشفافية؛ فيما يتناول الثاني السلطة القضائية والتزاماتها الدولية و الوطنية لترسيخ ثقافة محاربة الفساد.

أولا : قراءة في الوسائل القانونية والفنية لتكريس ثقافة التصريح والشفافية.

أوضحت التجارب المختلفة في العالم من حولنا أن الفساد ظاهرة معقدة تدق ناقوس الخطر إذا ما غابت الوسائل القانونية والقضائية في مواجهتها ، وتؤكد التقارير الدولية مثل تقارير منظمة الشفافية الدولية وغيرها من التقارير الأخطار المدمرة للفساد على المجتمعات والدول، فهو يقوض الديمقراطية وسيادة القانون ويؤدي إلى استغلال السلطة وانتشار الفقر والأمية وانتهاك حقوق الإنسان، وإعطاء سمعة سيئة عن الأسواق، إضافة إلى تشجيع الجريمة المنظمة والإرهاب وتدهور النسيج الاجتماعي وجودة الحياة بشكل عام.

فالفساد يؤثر على الأمن المجتمعي، ونطاقه لا يعترف بحدود أو قواعد، وهكذا تؤكد التقارير أن تعطيل مؤسسات الرقابة، كالبرلمان والقضاء ومنظمات المجتمع المدني والصحافة ومغالطة الرأي العام الدولي والوطني، من شأنها أن تضاعف الظاهرة وتؤدي لغياب ثقافة الشفافية ومحاربة الفساد، والأدهى من ذلك أن الشعوب جراء ذلك تقع فريسة لهذا التحايل الذي يغيب الوسائل القانونية ويتجاهل دورها في ترسيخ ثقافة الشفافية.

ويمكن في هذا الإطار، ذكر أهم هذه الوسائل القانونية والفنية إضافة إلى التصريح والعلنية لما لها من دور في تكريس الشفافية ومحاربة الفساد:
الوسائل القانونية
تتعدد الوسائل القانونية الإجرائية والموضوعية في الوقاية من الفساد ابتداء واسترداد الأموال في مرحلة التحقيق الإداري أو التلبس بالجرائم الاقتصادية والمالية المرتبطة بالفساد كالرشوة والتربح على حساب الدولة ونهب الثروة وتبديدها وهي مسائل عالجها قانون مكافحة الفساد في كثير من الدول ومنها بلادنا .

ينضاف ذلك إلى دور محكمة الحسابات بوصفها هيئة دستورية رقابية مستقلة، تكرس الرقابة المالية وتتعاون مع القضاء العادي لتجاوز الاختلالات المالية في بعض الأحيان ليس باسترجاع الأموال المنهوبة فقط، وإنما في تحقيق الردع من خلال تطبيق القانون الجنائي جنبا إلى جنب مع قانون مكافحة الفساد وقانون غسيل الأموال وغيرهما من النصوص الجنائية الخاصة المتعلقة بحفظ المال العمومي.

وقد تعززت هذه الوسائل القانونية القبلية والمتزامنة واللاحقة في بلادنا منذ 2021 بترسانة من النصوص طورت نظام الصفقات العمومية وحددت بشكل مناسب عتبات الرقابة القبلية من لجان إبرام الصفقات العمومية كما كرست المنافسة الحرة وعدالة الولوج للطلبيات العمومية ، والتي كانت في التشريع السابق من 2010 إلى 2020 ملاذا آمنا لكثير من الفساد كشفت التقارير القضائية والتشريعية عنه بشكل خطير.

الوسائل الفنية :

أبانت التجربة الموريتانية الحالية في مكافحة الفساد عن ثغرات كانت سالكة في العقود الماضية فقدت الدولة بسببها كثيرا من مواردها في الاستثمار والتجهيز والبنية التحتية التي لا تخضع لأي معيارية ولا نظام للصفقات والتمويل والاستثمار وفق منظومة فنية مؤرشفة وشفافة، فلا العقود والصفقات كانت واضحة ومسيرة بشكل قانوني ، أما التسجيل الرقمي والتحويلات النقدية لصالح الخزينة فكانت تقليدية ويدوية بشكل لا يتصور في الحقب الماضية، وهذه الثغرات إضافة إلى التطور التكنولوجي والفني عجلت من اعتماد الدولة للبرامج التسييرية المطورة لتسيير الميزانيات العمومية كبرنامج الرشاد الحكومي المطور مثلا، وتسيير الصناديق الخاصة في الميزانية بشكل تشاركي وشفاف، فضلا عن إصدار الدولة لقانون ينظم الدفع المالي، وإنشاء وزارة خاصة بالرقمنة والبدء الفعلي بتسديد الفواتير والخدمات حسب نظام إلكتروني مصرفي، تطور في الفترة الأخيرة ليطال أغلب المصارف في البلد وباتت بعض القطاعات مهيأة لاعتماد الرقمنة في بعض الخدمات والرسوم والفوترة ، مما أعطى وسيعطي نتائج كبيرة في تعزيز الشفافية المالية من ناحية وتقليص أخطار الفساد من ناحية أخرى، إضافة إلى السهولة التي تترتب عن هذه المسائل الفنية في الرقابة والمتابعة والمحاسبة والمحاكمة القضائية .

التصريح والعلنية ودورهما في تكريس ثقافة مكافحة الفساد:
إذا كانت الوسائل القانونية واضحة في التصدي للفساد والوقاية منه ومتابعة مقترفيه في مرحلتي الاتهام والقضاء ، وكانت أيضا الوسائل الفنية مساعدة في الحد من الفساد بوسائل تقنية بسيطة أصبحت أدوات معاصرة لتتبع أي عملية تحايل أو تسيير مالي مختل ، فإن التصريح بالموارد والممتلكات وحصيلة البيانات الختامية المالية للمؤسسات والآليات والجمعيات والمسؤولين ، مع أدوات الرقابة والتفتيش التقليدية والتقارير الدورية، لها أيضا بالتأكيد هي الأخرى نتائج إيجابية في تعزيز منظومة مكافحة الفساد ويتضح ذلك جليا في اعتماد العلنية في المحاكمة على مستوى القضاء، فالعلنية ركن مهم من أركان المحاكمة العادلة التي تسمح للجمهور بمتابعة التطبيق القضائي للأحكام المجرمة للفساد، و الدولة الموريتانية اليوم بحاجة إلى وقفة قضائية حاسمة في إبراز دور السلطة القضائية في مواجهة الفساد بعد أن نجح النظام السياسي في تحقيق الفصل بين السلطات من ناحية والتكامل الفعال في أدوارها من ناحية أخرى وهي معادلة قانونية مهمة في تكريس دولة القانون، حيث تصدت السلطة التشريعية لبعض ملفات الفساد المنجرة عن العشرية الماضية في سابقة إفريقية ومغاربية مهمة لم تتحقق بهذا الشكل المتميز في أي من البلدان التي اعتمدت مثل هذه المنظومة الوطنية في مكافحة الفساد، صحيح أن الجزائر حاكمت رموزا من أنظمة الفساد واسترجعت بعض الأموال المنهوبة، وهو ما حاولته السودان أيضا، ولكن لم يكن ذلك بتحقيق برلماني مثل ما وقع في موريتانيا ولا بمراحل من التحقيق القضائي المهني المنصف على مستوى الاتهام وتعهد محاكم الحكم في النزاع مؤخرا كما وقع في ملف الرئيس السابق المتهم بالفساد المعروض على القضاء حاليا.

ثانيا : السلطة القضائية التزامات وطنية ودولية لترسيخ ثقافة محاربة الفساد.

قد لا يدرك البعض أن الأحكام القانونية والآليات القضائية التي تعتمدها الدول لمكافحة الفساد تتطلب ضرورة اختبارا وتطبيقا ميدانيا، واستمرارا في المسائل والملفات التي تعهدت بها المحاكم، لأن مثل هذا التصميم والمتابعة مهما طال أمده، يحتاج فترة طويلة ، بما هو من صميم الالتزامات الدولية للبلاد، والتي تسمو على كل الأحكام القانونية العادية في الدولة وتصل أحيانا مرتبة الدستور وفق بعض النظريات، ويكفي للتدليل على ذلك أن نُشير إلى نص المادة 80 من الدستور التي تقول بالحرف ( للمعاهدات أو الاتفاقيات المصدقة أو الموافق عليها كذلك سلطة أعلا من سلطة القوانين وذلك فور نشرها شريطة أن يطبق الطرف الثاني المعاهدة أو الاتفاقية)، ومعلوم أن موريتانيا كانت قد انضمت إلي اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد بتاريخ 25 أكتوبر 2006، رغم أنها لم تؤسس الإطار التشريعي الوطني الخاص بها إلا 2016 بإصدارها القانون رقم 2016- 014 الصادر بتاريخ 15 ابريل 2016، المتعلق بمكافحة الفساد، كما أن المجتمع الدولي الذي تبنى هذه الاتفاقية انخرط في تطبيقها قانونيا وقضائيا وأسس لها مراصد ومنظمات وهيئات عمومية لمتابعة تطبيقها والحث على نشر ثقافة محاربة الفساد حكوميا ومن خلال المجتمع المدني ، وموريتانيا في هذا الإطار تعد متأخرة في استكمال هذه المنظومة فتحتاج مثلا على غرار بعض الدولة إلى إنشاء آلية وطنية حكومية لمكافحة الفساد إلى جانب قطبي النيابة والتحقيق والمحكمة الجنائية الخاصة بالفساد والتي ينبغي أن لا تقل عن ثلاث محاكم وطنيا، مثل المحاكم الجنائية الخاصة بجرائم الاسترقاق، وعلى مستوى الضبطية القضائية ينبغي أن يكون هناك "سلك شرطي" متخصص في مكافحة الفساد يعزز ثقافة محاربة الفساد من ناحية ويساعد النيابة العامة والقضاء في تسريع ومتابعة جرائم الفساد .

أما القضاء الجالس فننتظر اضطلاعه بمسؤوليته اليوم، وهو يطبق النصوص القانونية الوطنية التي تكرس ثقافة محاربة الفساد باعتبار ذلك التزاما وطنيا وتشريعيا لا يقل أهمية عن دور سلطتي البرلمان والهيئات الرقابية التابعة للسلطة التنفيذية وهيئات المجتمع المدني تكريسا لهذه الثقافة المؤسسة لمحاربة ظاهرة الفساد المالي الذي أجمع العالم بكل دوله ومؤسساته على محاربته طبقا للاتفاقيات الدولية والتعاون الجنائي والأمني والقضائي المنقطع النظير في تتبع الأموال المنهوبة والثروة الضائعة، وقانوننا الوطني واضح وحاسم في الأخذ على يد المفسد وتتبع ما أفسده من مال عام مصادرة واسترجاعا ونيله ما يستحق من إبعاد من أي مسؤولية انتخابية أو إدارية عبرة للمفسدين وتطبيقا للعدالة الوطنية والدولية الناجزة.

أستاذ قانون خاص بجامعة نواكشوط
توطئة