تعيش القارة الافريقية على وقع تحول عميق بعد عقود من الاستقلال الشكلي، والتبعية المطلقة للغرب، والاضطرابات الداخلية الناجمة عن ضعف الحكامة السياسية والفقر الذي يعصف بشعوب المنطقة، والإرهاب العابر للحدود.
وقد سعت الشعوب الإفريقية فى مواجهة عقود من الحكم الفردى، إلى تقليص صلاحيات الرؤساء من جهة، والسعي للتحكم فى مسار الحكم عبر القيود الدستورية، بعدما تعذر التداول السلمي على السلطة ، بفعل ضعف القوي المعارضة عموما، والعقلية الإفريقية التى لاتري فى المنظومة الديمقراطية أكثر من آلية قانونية شكلية لتحقيق بعض المصالح الآنية، وتسيير عواطف المهتمين بالحكم والحضور فى دوائر صنع القرار .
غير أن الخطوات الرامية لتقييد المأموريات الرئاسية بالمنطقة خلقت واقعا آخر، أساسه مصادرة آراء الأغلبية، والتحكم فى خيارات الشعوب، عبر إجبار الحاكم على المغادرة وهو مرغوب فيه فى الكثير من الأحيان، وتهيئة الساحة المحلية لبروز قوي وشخصيات ماكان يمكن اللجوء إليها، لولا القوانين الناظمة للمسار الانتخابى، وأحكام الدساتير الملزمة فى كثير من البلدان.
صحيح أن التداول السلمي علي السلطة منح بعض الدول - ومنها موريتانيا - فرصة الذهاب نحو انتقال سلسل للسلطة، وانتقال الحكم نحو الأصلح والأقدر على تدبير شؤون الرعية، لكنه تحول إلى سيف مسلط على خيارات الأمة، ومصدر قلق للعديد من النخب الحالمة بمزيد من التنمية والاستقرار.
وقد واجهت بعض البلدان معضلة القيود الدستورية بمخارج قانونية مثيرة للجدل تارة، وإجراءات تنظيمية محل تحفظ من بعض القري المعارضة، بينما أختار البعض عدم الإلتفات إليها، والعمل وفق ماتمليه مصلحة البلد والنظام علي حد رأي الحكام والنخب السائرة فى فلك تلك السلط السياسية.
فيليكس تشيسكيدي واجه القيود الدستورية المفروضة على استمراره فى الحكم بموجب المادة 220 من دستور الكونغو الديمقراطية بالذهاب إلى الشعب عبر استفتاء دستوري ، والإعلان عن جمهورية جديدة، وهو ما سيلغي الولاية السابقة للرجل ، ويمنحه فرصة جديدة لقيادة البلاد، بعدما كادت التفاهمات التى أقرت 2006 تطيح بأحلامه فى الاستمرار فى حكم البلاد بعد 2028.
أما جمهورية التوغو فقد قررت سنة 2024 الانتقال كليا من النظام الرئاسى إلى النظام البرلمانى، للإفلات من القيود القانونية التى وضعت لتقييد حركة الرئيس، بينما أختار حكام افريقيا الوسطي الذهاب للشعب من أجل استشارته في القيود المفروضة على مدد الرئاسة، وقد كانت نتيجة الاستفتاء لصالح إلغاء المواد المقيدة لترشح الرئيس بشكل نهائي.
صحيح أن النخبة السياسية المعارضة بالكونغو لم تستسلم بشكل نهائي، وحاولت تحريك الشارع لتقويض ما أسماه الإيتلاف المعارض بالإنقلاب الدستوري، لكن صحيح كذلك أن زعماء المعارضة " مارتن فايولو” و"ديلي سيسانغا" واجهوا لحظات صعبة بفعل القوة العسكرية التى أستخدمت لفرض الخيار الذي تبناه الشعب عبر استفتاء دستوري شارك فيه الآلاف من أبناء الكونغو المتطلعين لاستمرار الرئيس فى الحكم لولاية جديدة.
يشعر المعارضون لحكم الرئيس الكونغولي بخيبة أمل كبيرة من مواقف الغرب تجاه التحول الدستورى الذى تمر به البلاد ، ويعتقدون أن الولايات المتحدة باعت الديمقراطية بالمعادن،وأن الصين تخلت عنهم مقابل النحاس.
فى ساحل العاج الخارج من أتون الحرب الأهلية والصراع المفتوح علي السلطة، كسر الرئيس الإفوارى قواعد اللعبة السياسية، وقرر التوجه نحو مأمورية رابعة أكتوبر 2025، وحينما أرتفعت الأصوات قابل الحزب الحاكم منتقديه بتبرير قانوني، مفاده أن التعديل الدستورى الذي جرى 2016 صفر مأموريات الرئيس السابقة، وهو ما يمنح الرجل الحق فى الاستمرار فى السلطة إلي غاية 2030.
وفي افريقيا الوسطي قرر الرئيس "فوستين توادير" إجراء استفتاء دستوري للهروب من تداعيات التعديلات الدستورية التى أجريت 2016 ، وقد كانت نتائجه لصالح إلغاء القيود المفروضة علي المدد الرئاسية بنسبة تجاوزت 95% ، وهو ما مكن الرئيس من أداء اليمين لاحقا، بعد فوزه بولاية ثالثة ، رغم تصعيد معارضيه واتهامه بتنفيذ انقلاب دستوري.
أما فى موريتانيا فلايزال الجدل الدستوري والقانوني فى بدايته، بين أحزاب تضغط من أجل الذهاب نحو الشعب ، وتحرير الرئيس من قيود تحديد المأموريات التي أقرت خلال التعديلات الدستورية إبان حكم الجيش 2005-2006 ، و بين أحزاب داخل سرب الأغلبية ، ومعارضة نشطة علي وسائل التواصل الاجتماعي ترفض المساس بالدستور، وتعتقد أنه من المسلمات التي لايجوز المساس بها، وأن فتح المأموريات من قبل النخبة الحاكمة خط أحمر، وخطر يتهدد العملية الديمقراطية، ويضر بمصالح الوطن ، وقد يهدد مستقبل الرئيس وداعميه.
#زهرة_شنقيط
#تابعونا
.jpg)










