الحوار السياسى في موريتانيا .. أحلام النخبة ومتطلبات الواقع / سيد أحمد ولد باب (*)

الأحد, 02/22/2026 - 2:47م

لم تشكل دعوة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزوانى للحوار أي مفاجئة داخل الساحة السياسية الوطنية، بل إنها كرست المعلوم من سلوك الرجل منذ أعلن ترشحه للانتخابات الرئاسية فاتح مارس 2019، وعززت المسار الذى سلكه في تعاطيه مع الطيف السياسى بكل ألوانه خلال مأموريته الأولى، وما تقدم من صدر مأموريته الثانية، من انفتاح وتشاور وتقليص لنقاط الخلاف مع الآخر، ومد يد التعاون مع كل راغب في بناء الوطن، واحتضان كل مؤمن بدولة العدل والقانون والمساواة.

 

 

ورغم محدودية الخيارات المتاحة أمام الشركاء في الساحة السياسية - في ظل نظام يعزز من قواعده الشعبية باستمرار ، ويفتك لنفسه مساحات شاسعة في مخيلة المجتمع الموريتانى بكل أعراقه وفئاته وجهاته، ويحارب على عدة جبهات من أجل تعزيز التنمية والحكم الرشيد، وتقليص فرص الإفلات من العقاب، وتطوير المؤسسات الديمقراطية، وحلحلة المشاكل الذى ظلت مصدر إزعاج للسكان، ونقطة ضعف يستغلها كل مخالف من أجل تأليب الشارع على النظام الحاكم، وخلق أوراق ضغط يمكن استغلالها متى انهارت وشائج التواصل بين الحاكم ومناوئيه- ظل النظام وفيا لسلوكه، فاتحا المجال أمام الكل من أجل المشاركة في حوار صريح وبناء، يناقش كل القضايا المطروحة من دون تحفظ وتتسع ساحاته لكل صاحب موقف مهما كان ، ويبحث فيه أصحاب الرأي والكلمة والتأثير عن أفضل الخيارات التي يمكن تبنيها من أجل جمهورية تتسع لكل أبنائها، وتعزز من استقرارها في محيط ملتهب، بعيدا عن الارتهان لأخطاء الماضى ، والمخاوف المؤسسة على تجارب سياسية مظلمة، لم تنفع معها كل القيود القانونية، والإجراءات الشكلية في نظامنا الدستورى، لتقليص أضرارها المحتملة على السكان والبلد، ولم تشكل كل المحاولات اللاحقة لإقرارها أي فرصة لإنتاج نظام يحظى بالمقبولية لدى الرأي العام وينحاز للشعب المغلوب على أمره ، قبل نظام الرئيس الحالي، والذى شكل بالفعل قطيعة مع الماضى ومسلكياته، وأزاح قاموس الخداع والتآمر والغبن والاحتكار من يومياته.

 

يدخل الرئيس محمد ولد الشيخ الغزوانى، أو النخبة الداعمة له على الأصح الحوار دون ضغوط تذكر. فلم تعد مشاكل المياه مطروحة في مجمل أرجاء الوطن بفعل إطلاق سلسلة من المشاريع الكبرى ، ومضاعفة الإنتاج في المشاريع الخمس الأساسية، وحفر أكثر من 400 بئر ارتوازي في مجمل ولايات الوطن ، ولم تعد الخدمات الأساسية مفقودة كما كانت في الماضى ، بل تضاعف النفاذ لخدمات الكهرباء والاتصال في كل الولايات الراخلية بجودة عالية ، وتعززت شبكة الأمان الصحى بعدد من الإجراءات الجديدة (التأمين والتكفل والإنقاذ ورعاية المحتاجين) مع تنوع التخصصات المتاحة في المراكز الصحية، وتمت حلحلة مشكل النقل عبر الخطوط الرئيسية، بفعل الاستثمارات الهائلة في مجال البنية التحتية (الطرق والجسور وخطوط فك العزلة) وتحديث الترسانة القانونية لضمان تسهيل الاستثمار في مجال النقل الحضرى بموريتانيا.

 

ولايعانى النظام في الوقت الراهن من أي مشاكل على مستوى الشرعية السياسية أو الشعبية، فرئيسه محمد ولد الشيخ الغزوانى هو أول رئيس موريتانى منذ تأسيس الدولة الحديثة يصل السلطة بالانتخاب، ويستمر فيها بالانتخاب، في معركة شفافة ونزيهة، وأرقامها تنتمى لعصر التحضر والصراع المشروع على السلطة، بعيدا عن أرقام الزمن الغابر، وثقافة الأرقام المنفوخة لتعويض النقص الحاصل في الشرعية الدستورية أو نظرة الشارع للحاكم المفروض بالحديد والنار.

لا يناقش الحوار المنتظر تفاصيل المشهد الانتخابي – كما تعود الجمهور وآليات التصويت وضمانات المشاركة السياسية – فحسب، بل فيه متسع لكل القضايا المطروحة في الساحة المحلية، من طي نهائي لملف الإرث الإنسانى وأحزانه، وفتح النقاش حول الخيارات الدستورية الأنجع لإدارة البلاد، وتعزيز الحكامة وحماية المكتسبات الوطنية التي تحققت خلال العقود الماضية ، وفيه لأهل الاقتصاد متسع حول كبرى القضايا المطروحة في الساحة الاقتصادية والخيارات الملائمة لإستخراج الثروة وتسييرها وحمايتها من مخاطر الإستنزاف وغول الفساد ، وللمرأة والشباب نصيب في مجمل ورشات النقاش، ويمكن لقادة الأحزاب السياسية طرح آليات الترخيص المعتمدة من قبل الداخلية للنقاش من جديد، ومراجعة القانون المنظم للأحزاب وطريقة عمل جمعيات المجتمع المدنى، وفيه متسع كذلك لنقاش مستقبل التمثيل البرلماني (عدد النواب واللوائح وشكل البرلمان) وتقييم تجربة المجالس الجهوية، والآليات المطلوبة لتعزيز دور المجالس البلدية ، مع نقاش التقطيع الإداري المحتمل، ورسم ملامح الجمهورية الموريتانية من جديد.

 

لا يصادر الحوار السياسى بالطبع إرادة الناخب الموريتانى وحقه في اختيار من يقوده، و لايحق للمشاركين فيه ذلك، ولن يكون بديلا عن المؤسسات الدستورية المنوط بها ضبط الواقع وتحقيق أحلام الشعب في الرفاهية والاستقرار ، وشكل النظام السياسى الأفضل للأمة الموريتانية ، ولن يقيد من اختصاص رئيس الجمهورية، ولا سلطة البرلمان في مجال التشريع، ولكنه محطة بالغة الأهمية من أجل نقاش القضايا المشتركة، وبلورة إجماع وطنى على بعض القضايا السياسية والاجتماعية والرؤى السياسية الناظمة للعلاقة بين مجمل الأطراف ، وهو ما يتطلب تنازلات مؤلمة من كل المشاركين فيه ، فلا معنى للتوقف عند الحدود المتعارف عليها داخل كل تشكلة سياسية على حدة. والمحطات الحاسمة في تاريخ الأمم والشعوب ومسار تشكل الدول الحديثة، تحتاج دوما إلى قدر كبير من الشجاعة، وتقدير الواقع المحيط، بعد تحليله ونقاش كل تجارب الحكم السابقة، واستشراف المستقبل بكل جدية وأمانة ، والقدرة على التحرر من أوهام الماضى ورواسبه، وقيادة الجماهير نحو الأصلح بدل الارتهان للحسابات الخاطئة، والخروج بخلاصات تؤمن الانتقال السلس بالبلاد من مصاف الدول المتخلفة إلى دولة عصرية مستقرة، تحت قيادة تؤمن بالآخر وتعيش من أجل خدمته وتعلى مصالح الأمة على مصالح الأفراد، وتضحى في سبيل ذلك بالكثير من المسلمات التي تعيش بها الناس، وظنوها جسر الأمان المنشود في لحظة ضعف من التاريخ السياسى المحلى.

 

(*) مدير موقع زهرة شنقيط