
في زمن تتكاثر فيه الضوضاء السياسية، وتعلو فيه أصوات الاستقطاب، اختار فخامة رئيس الجمهورية، محمد ولد الشيخ الغزواني، طريقًا أقل صخبًا وأكثر عمقًا: طريق التهدئة، وأخلقة الفعل السياسي، وردّ السياسة إلى معناها النبيل بوصفها فنًّا لإدارة الاختلاف لا تأجيجه، وجسرًا للتلاقي لا ساحةً للصدام.
لقد أدرك الرئيس، منذ اللحظة الأولى، أن أعظم ما تحتاجه موريتانيا ليس الخطاب الحاد، ولا الحسم المتعجّل، بل استعادة الثقة المفقودة بين الدولة ومجتمعها، وترميم ما تصدّع في الوجدان الوطني عبر لغة العقل، لا منطق الغلبة. فجاءت التهدئة السياسية، في عهده، خيارًا واعيًا لا اضطرارًا، ومنهج حكم لا تكتيك مرحلة.
إن التهدئة التي ينتهجها الرئيس ولد الشيخ الغزواني ليست انسحابًا من الفعل، ولا تفريطًا في هيبة الدولة، بل هي تعبير راقٍ عن قوة الدولة حين تثق بنفسها، وتملك من الرصانة ما يجعلها تسمع أكثر مما تتكلم، وتحتوي أكثر مما تقصي. فهي تهدئة تُعيد السياسة إلى أخلاقها، وتُخرجها من دائرة التشاحن إلى فضاء المسؤولية، حيث يُقاس النجاح بقدر ما يُحقَّق من استقرار، لا بكمّ ما يُثار من ضجيج.
وفي هذا السياق، تتجلّى أخلقة الفعل السياسي كأبرز ملامح تجربة الرئيس؛ إذ لم يجعل السياسة أداة للخصومة الدائمة، ولا مسرحًا لتصفية الحسابات، بل حمّلها بعدًا أخلاقيًا يعترف بالاختلاف، ويحترم الخصم، ويُعلي قيمة الوطن فوق كل اعتبار. فكان الخطاب الرئاسي هادئًا، متزنًا، خاليًا من الشعبوية، متشبثًا بالحكمة، ومؤمنًا بأن الكلمة المسؤولة أقدر على البناء من الشعارات العابرة.
لقد منح هذا النهج البلاد مناخًا سياسيًا أكثر طمأنينة، وأعاد الاعتبار لفكرة الدولة الجامعة، التي لا تخاف من التنوع، ولا ترتاب من النقد، بل تعتبره جزءًا من حيويتها. وهنا تتبدّى براعة الرئيس في تحويل التهدئة من حالة ظرفية إلى ثقافة سياسية، ومن رد فعل إلى مشروع متكامل لإدارة الشأن العام.
وما يُحسب لفخامة الرئيس، كذلك، أنه لم يُغلق الأبواب أمام الفاعلين السياسيين، ولم يختزل الوطنية في زاوية واحدة، بل فتح المجال أمام الحوار، وجعل منه امتدادًا طبيعيًا لأخلاق التهدئة. فالحوار، في فلسفته، ليس تنازلًا، بل تعبير عن نضج الدولة، واعتراف بحق الجميع في أن يكونوا شركاء في صياغة المستقبل.
إن تجربة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني في التهدئة وأخلقة السياسة تُقدّم درسًا بليغًا في الحكم الرشيد: مفاده أن الاستقرار لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى بالثقة؛ وأن السياسة حين تتحرر من الأحقاد، وتتصالح مع الأخلاق، تصبح أداة بناء لا معول هدم.
ومن موقع المتابع، والمواطن الحريص على وطنه، لا يسعني إلا أن أُثمّن هذا الخيار، وأن أُشيد برئيسٍ آمن بأن موريتانيا تستحق سياسة أهدأ، وأعدل، وأكثر إنسانية. سياسة تُدار فيها الخلافات بالحكمة، وتُصان فيها الدولة بالأخلاق، ويُصنع فيها المستقبل على مهل، لكن على أسسٍ صلبة.
تلك هي التهدئة التي لا تُضعف الدولة، بل تُقوّيها. وتلك هي السياسة حين يقودها رجل دولة، لا أسير لحظة.
محمد يحفظ دهمد
.jpg)









